انقضت صلاة العصر ..
نادى المنادي بصوت متثاقل رخيم ” الصلاة على الأموات يرحمكم الله ” ، وكأنها أصبحت لا تعني الكثير فقد أصبحت جزءًا مما اعتاد عليه ، قمت مع من قام ثم كبر الإمام ..
ما انقضت صلاة الميت وسلم الإمام ، حتى انطلقت جموع المصلين يتدافعون نحو ذاك الباب الضيق الكل يريد أن يلحق بالجنازة ، يتسابقون وكأنهم يُلحقون !
خرجت وقد ظننت أني لن أستطيع بعد أن كدتُ أسقطُ بينهم .. قبضت على نعلي بيدي لم يكن هناك وقت لانتعلها ، حافي القدمين أحاول أن ألحق بالجنازة .. لم العجلة ؟ هكذا السنة يقولون !
الأرض متوسطة الحرارة لم يكن الصيف قد حل تماماً ، نعبر الطريق الفاصل بين الجامع ومدخل المقبرة ، السيارات متوقفة وقد أُجبر السائقون أن يتوقفوا ، رجلُ مرورٍ نحيلْ ذا بذلة فضفاضة كان يراقب الجموع وهي تمر ، هو الآخر يبدو متمللاً وكأنه اعتاد ذلك المشهد !
المشهد الذي بدى كأنه يصور موعظةً لأولئك السائقين ! ألا تظنون ؟
ما إن تجاوزنا الطريق حتى خطت قدمي داخل المقبرة فبدأت تلك المشاعر والأفكار تتوارد دون روية داخل دماغي ! ومع كل خطوة تتكرر قرصات الحصى الصغيرة التي تبدو وكأن الأرض افترشت بها لتمنعك أن تشرد بذهنك بعيداً !
تراهم محمولين على أكتاف أبنائهم أو إخوتهم ، وفي مراتٍ على أكتاف أبائهم .. وقد ترى زوجاً كسيرا يحمل شقيقة روحه على كتفه ويمسح على عبائتها بكفه يناجيها يوادعها يرجو أن يرافقها !
ها هي جنازته تظهر أمامي فوق نعش خشبي ، يغطي كفنه الأبيض عباءةٌ بنية .. رفعوه على أكتافهم تفوح منه رائحة البخور التي امتزجت بالمسك .. الكتف الأيسر لأبنه الأوسط يتقدم حامليه ليمسح دموع فراقِ والده بكتفه الآخر ، كان أكثرهم تأثراً كان أقربهم إليه .. متثاقل القدمين يخطو وكأنه لا يريد أن يصل؛فيجبر على وداعه الأخير !
خطوة تتلوها أخرى لأقترب من ذاك المشهد الذي ترآى لي من بعيد وكأنه يحجب الأفق ، قبور لا تنتهي تغطيها الحصى بألوانٍ متفاوته بدت على مد البصر وكأنها نِهايتُه ، ألتفتُ إلى يميني فلا أرى سواها أُحدق يساراً فلا غيرها!
شيئا فشيئا لتقترب الجموع من الجموع ، كجيشان يقتربان من منتصف أرض المعركة ! جيشُ أحياءٍ وجيشٌ آخر أحياءٌ سبقوهم فافترشوا التراب وسُتِروا به .. رغم أن البعض عميلُ هؤلاءِ في أولئك !

أضف تعليق