التغيرات بشتّى أنواعها مستمرة بالحدوث بعلاقة طردية مع الزمن، لا شيء نستطيع فعله سيغير هذه الحقيقة! لا شيء سنفعله سيحتسب تجاه تلك التغيرات وما تحدثها، وحدها طريقة تعاملنا وتعاطينا معها ستفعل!
كيف لنا أن نتعاطى مع التغيرات دون أن نحولها إلى عقبةٍ تعيق تقدمنا؟
كثيرة هي التغيرات التي اعتمدنا على تقييدها ومنع انتشارها لنبقي مساؤها دون ظهور، وجدت مخرجًا .. تسربت من بين أضيق العقبات التي وُضعت لمنعها، حتى أصبحت سلبية ظهورها ضِعف ما افترضنا بالأساس! ثم ذهبنا نسعى لتدارك ذلك التضاعف لنكتشف أننا تأخرنا بالشكل الذي لم يترك فرصة للسيطرة.
التغيرات، أصبحت وجهات نظر، حُريّات، بل أصبحت لدى البعض قناعات .. ليست جميعها على نحو متساوي من السوء بل إنّ منها ما كان لابد من إعطاء الفرصة له ليظهر! المسألة ليست كيف نقيدها من جديد، بل كيف لنا أن نجعل ذلك الظهور إيجابي دون خشية من أن يتحول لعقبةٍ تمنعنا من أن نتقدم من أن نغدو بشرًا أفضل.
التغيرات كثيرة، فكرية، مجتمعية ودينية كذلك! إن تقييد التغيرات يعني بالتساوي تقييد الفكر، والاختباء داخل قوقعة أفكارنا القديمة، الهروب من متغيرات الفكر الحديثة، في زمنٍ تتكاثر فيه مصادر تلك المتغيرات لم يعد سهلًا بل لم يعد ممكنا، الحرية الآن هي للعقول، وتلك حرية يستحيل تقييدها.
بعيدًا عن كُل نظريات المؤامرة التي تطرحها التحليلات التي نقوم بها لفهم هذه المتغيرات، تلك النظريات التي قد يكون وجودها فعلي، إلا أن التأثير الغالب ليس لها؛ بل أن العقول أصبحت أكثر قابلية لامتصاص هذه المستجدات والظواهر الفكرية التي وقعت في مدارها العقلي بفعل عدم استعدادها لاستقبال تلك الأفكار الجديدة والمتغيرات!
في حالة كهذه لا أعتقد أننا نحتاج إلى تقييد فكري كي نحدّ من مخاطر تلك التغيرات ومساؤها، إن ما نحتاجه هو ذلك المفقود الذي لا طالما بحثنا عنه وهو أمامنا بل يلوّح لنا كي نجده لينقذنا، إننا لا نحتاج إلى تقييد التغيير، بل نحتاج لثقافة التغيير.
كثيرة من الأمور التي طُبّق عليها مبدأ ”الوقاية خير من العلاج” كانت مساؤها أخف ظهورًا، هنا سيكون لنا مصطلحٌ مشابه حيث ”التثقيف خير من التقييد“، إن ظهور متغيرات فكرية في مجتمعنا مستمر بالازدياد، وإبقاء تلك المتغيرات خارج مدار الفكر هو أمر بعيدٌ تمام البُعد. بناء قُبّة تحمي ذلك المدار الفكري من المتغيرات الفكرية التي تتطاير باتجاهه من مدارات أخرى، يعني أن ترضى بتوقفك في منتصف خط التطور بكل أنواعه، ذلك ليس الحل! بالطبع لا.
عندما تستبق ظهور تلك الأفكار في المدار الفكري، بالتوعية من مساؤها التي لا مناص من ظهورها، ستجد مستقبِلا لتلك الظواهر ذو عقل متريث في استقبالها محلِلٍ لكل ما أتت به من إيجابيات وسلبيات، دافعًا الرغبة الجامحة لديه في اعتناق تلك الأفكار الجديدة.
تثقيف الفرد المستقبِل سيجعل من عقله أكثر مرونة لاحتواء هذه المتغيرات الفكرية والاستفادة منها دون صدام ظاهر مع ما تكوّن وتربى عليه عقله منذ بدأ بالإدراك، بل إن مرونته الفكرية ستجعل من تلك المتغيرات تتكيف بشكل أفضل مع ”تقاليده ومعتقداته“ المصادمة لها غالبًا، لا العكس الذي سيجعل ذلك العقل يتشكل بصورة غير مرغوبة تلوي تلك التقاليد والمعتقدات وتغير من صورتها في أذهاننا لتتماشى مع المتغيرات الجديدة.
إن ظهور تلك المتغيرات الفكرية في مجتمعنا مؤخرًا، ليس أمرًا سيء الحصول من وجهة النظر العامة بل هي ما كانت تنتظر ظهوره الأغلبية منذ سنوات، معتقدةً أن تطور المجتمع وتحسين صورته في نظر المجتمعات الأخرى يعتمد بشكل كامل على ظهوره، دعونا لا نعارض هذه الفكرة بشكل كامل ولنعطها نسبةً من الفضل في التطور الفكري الذي سيطرأ في المجتمع والتحسين الذي تحتاجه صورته، لكنّ المسيء لظهور هذه المتغيرات والأفكار الجديدة المُنتظرة، هو الشكل الذي تعاملنا به معها!
هذا الشكل السيء من التعامل نتج عن التصادم الفكري الذي ما زالت الأغلبية تنكره، أو بالأحرى تغض الطرف عنه والتي لم تؤمن بفكرة تحضير الفرد لاستقبال واحتواء تلك المتغيرات. تلك الأغلبية لا زالت تعتمد أسلوب الصدمات التي ستتشكل من خلالها القابلية الفكرية، وأن المجتمع سيعتاد ما استجد عليه وكل ذلك مسألة وقت.
إلا أن الوقت ثمنين جدًا، أثمن من أن نضيعه في انتظار المحتوم دون أن نتحرك في سبيل الاستفادة القصوى مما لا مهرب من وقوعه!

أضف تعليق