هناك نوعان من المخلوقات لا ثالث لهما، فيما يخص التفاعل مع هطول المطر ..
الأول يرقص فرحًا .. ويكاد يرتقي من السرور، يشعر أن أبواب الجنة فُتحت على مصراعيها وانسكبت مياهُ أنهارها ..
أما النوع الثاني فيقف ساكنا ليترك لجسده فرصة الارتواء بشكل كافٍ من قطرات الجنة بينما يتأمل هو منظر الغيوم ويسرح في مشهد القطرات التي تنزل بشكل عامودي على وجهه المائل باتجاه السماء ..
أما أنا ومن هم على شاكلتي، فنوع ثالث مختلف ..
ترانا نهرب .. نهرع نركض نحو غطاء!
ونختبأ تحت سقف يمنع عنّا قطرات المطر ..
لا تشغل بالك .. فالموضوع مُعقّد!
إنما هذه المرة وبشكل فاجئني أنا نفسي .. انشققت عن أولئك الهاربين من المطر!
تمكّن مني الذهول فتسمّرتُ تحته .. لم أستطع الحراك؛ لا فرِحا .. ولا راقصًا أيضاً!
ولم تنزل علي صاعقة تسكنني في مكاني!
إنما أحسست بشيء هالَ عقلي!
فلطالما شعرت أنّ ما حولنا ينبض بالحياة ..
وتجري داخله روحٌ خاصةٌ به،
أو ربما هي روحٌ سكنته بعد أن جالت بقاعَ الأرض تبحثُ عن جسدْ ..
عن حاوٍ لها!
كل شيء بمجرد هطولِ المطر، أظهر روحه وانتشى .. انتعش!
وكأن المطر أعاد فيه الحياة، وأتاح لهُ فرصةً أخرى لينبض!
ليثبت أننا لم نكن يومًا المخلوق الوحيد الذي ينبض بالحياة ..
ولستُ أعني ما يحيا حولنا من حيوانات ومخلوقات فحسب ..
فكل شيء ينبض ويشعُر! حتى الأحجار ، الأشجار .. وما صُنع منها من مبانٍ .. وجسور،
مقاعد الحدائقٍ وأعمدة إنارة الشوارع ..
في المرة القادمة حتى ولو لم تكن تحت سماء منشقّة، عندما يعييك المشي فتلجأ لمقعد الحديقة .. تريّث قليلاً وأنت تجلس واشعر كيف يقوم ذاك المقعدُ الخشبي باحتوائك فيخفف عنك إعياءك!
أو عندما تقوم بالعودة إلى منزلك منتصَف الليل ..
انظر إلى إضاءات الشوارع كيف تنير لك الدرب وكأنها تطمئنُّ عليك حتى تصل بسلام ..
ولا تنسى أن تلتمس مشاعرَ غطاءِ سريرك الدافئ،
حينما يأخذك بين طيّاته الدافئة .. ليحميك من لسعات البرد في ليالي الشتاء القارس!
أخيراً ..
انظُر كيف يمنحُ هطولُ المطر للأشياء من حولنا .. فرصةَ مشاركتِنا الحياة!


أضف تعليق