يُحلل أغلب الناس من حولنا وبناءً على المُعتاد بطبيعة الحال، أن كُلَّ هروب هو من الجُبْن، بل قد يجزمون أنه العلامة الوحيدة التي تدلُّ على الجُبْن!
من باب عدم الاستثناء التام لنظريتهم السابقة، سنقول أن الهروب هو أحد العلامات التي وقعت على مدار التاريخ بتكرار واضح فدلّت على جُبن البعض. إلا الهروب قد يقع نتيجة للعديد من العوامل الأخرى التي قد تكون أكثر شجاعة وأكثر عقلانية.
لنأخذ الهروب من الأفكار مثالاً حياً..
ولنبدأ حديثنا بسؤال إن سمحت لي!
كم مرة يتخاطر معك دماغك عبرَ أفكارٍ تشعرُ أنها غريبة؟
أو إن صح التعبير تلك الأفكار التي تشعر للوهلة الأولى ألا معنى لها سوى أنها خزعبلات فكرية يُفرزها عقلك المُرهق؛ لعله يصطاد منك لحظة انتباهٍ توليها لها فتبدأ معها رحلة التفكّر!
وأقول يصطاد لأنك بطبيعة الحال، مشغول كفاية عنه وعن إفرازاته.. فهي في النهاية خُزعبلاتٌ لا عائد من السعي خلف تفكيك رموزها ومحاولة التحاور مع عقلك لمعرفة من أين تأتي.. وعليه فقط أن يقوم بعمله المعتاد!
أو لربما أنّك تخافُ من أن يصيبك صداعٌ فكري بمجرد الالتفات لها، أم هو خوفٌ من شيء آخر.. أعمق وأكثر تعقيداً!
كل ما سَبَق.. تساؤلات لا أحد يستطيع الإجابة عنها، سواك.
إلا أنني على صعيدٍ آخر ينتابني الذهول أحياناً، عندما أجد أناسًا بعقول ضخمة جدًا وقادرة على دراسة أعقد العلوم والتخصصات والعمل في وظائف تتطلب عمليات ذهنية معقدة.. يهربون من عقولهم، بمجرد خروجها عن المألوف.. المألوف منها بالنسبة لهم بطبيعة الحال!
عندما تُثيرُ تساؤلًا واحدًا أو فكرةً صغيرة تُخالف قواعداً اعتيادية وضعوها أو وُضِعت لها ولهم منذُ أزمنة واعتادوا السّير على حذافيرها دون محاولة سلك طريق آخر ولو لمرة في حياتهم؛ وكأنها هي ما يجب أن يقوم عقلهم بفعله، أن يتبع تلك القواعد فحسب!
فهل ذلك الهروب مُبرّر؟ هل هو جُبْن أم شجاعة؟
بالنظر إلى القول الذي ينص على أنَّ الفرق بين الشجاعة والجنون شعرة، فإنه من الجنون أحيانا مجابهة أفكارنا ومواجهتها؛ إن لم نكن نملك كافة الأجوبة للأسئلة التي قد تطرحها عقولنا عبر تلك الإفرازات الفكرية.
ومن هنا قد تكون محاولةُ الهروب شجاعة وعقلانية للنجاة من الجنون الذي ستصيبنا به الأفكار التي تحاول أن تصطادنا بها عقولنا.
لكن بالوقوف على تلك الشعرة الدقيقة “عقولنا تحاول اصطيادنا”، واعتبار أنها جسرٌ يفصلُ بين منطقيتنا المُبهمة تجاه عقولنا ومحاولة النجاة بأنفسنا من إفرازاتها وبعد التأمل في الغرض الذي وُضعت من أجله تلك العقول، سنجد أنّه من الغباء والإقرار بالجهل ألَّا نُعملها في محاولات التَّفكر ولو كانت تلك المحاولات بسيطة، خائفة أو بدون أدنى دليل يوجهها نحو الدرب الصحيح، أو الإجابات المُنقذة التي ستطرحها لخداعنا واصطيادنا.
محاولةُ اصطياد عقولنا لنا، أقلّ ما يمكننا الإقرار به تجاهها هو أنها مُبررة!
فنحنُ لم نترك لها خياراً آخر، بعد أن كررت المحاولة بعد المحاولة لتُثير انتباهنا عبر الأفكار التي تطرحها مرةً تلوَ الأخرى ولم تجد منّا أي التفاته أو حتى وقوف لبرهة واستماع ما تحاول أن تقول!
الهروب من عقولنا وإفرازاتها الفكرية بشكلٍ دائم خطأ.. وهو الجُبْن بأمِّ عينه! ومواجهتها المستمرة ستصل بنا إلى الجنون لا مُحال؛ فنحنُ لا نملك كل الأجوبة.
لكنَّ ألم يقُل العارفون الأقدمون، أنَّ القائدَ الذكي هو من يختارُ معاركه؟
إذاً عليك أن تكون قائدًا عندما يتعلّق الأمر بعقلك، تختارُ متى تواجههُ ومتى تهربْ منه. ألا تُطلق لهُ العَنان بشكل دائم فيأخُذك لهاوية الفِكر، ولا تُلجِمْه تماماً فيتكاسل ويُميته الجهل؛ فعقلك لم يوضع في رأسك ملئًا للفراغ فحسب!
أن يهدأ العقل ويتوقف عن التفكير وطرح التساؤلات، هذا مُحالْ!
ألَّا نواجه عقولنا وندخلُ بأنفسنا لمتاهاتها، هذا جُبْنٌ خالص!
أن نملك كل الأجوبة والحلول، هذا خاصٌ لله!
أن نتَعلَّم متى تجبُ المواجهة، ومتى يكون الهروب.. هذه هي الحكمة الضّالة!


أضف تعليق