شاعِرٌ يستَجدي الكلِمات!

هل ما زلت حيًا؟ 

هكذا خاطبتُ دماغي قبل أيام عندما أدركت الخطأ الفادح الذي قمت به، فبعدَ أن تأملتُ كافة الأسباب التي قد تصل بي إلى هذه الحالة التي قبعتُ في ظلالها أشهرَ مريرة؛ وجدتُ أن ذلك الخطأ هو السبب الوحيد وبتلك الدرجة من الخطورة. 

أعدتُ السؤال، وكأني بالمرة الثانية قلتُ كلمة السر التي فتحتْ باباً ضخماً للعتاب الذي ظلَّ أشهراً ينتظرُ بصيص النور محشورًا داخل تلك المغارة. 

عاتبني دماغي نيابةً عن كل خلية وعصبون، بل عاتبني وكأنه موكلٌ من كل كتاب وورقة تستند على رفوف مكتبتي التي أشغلتني عنها صَوادِفُ الدنيا فاكتست غباراً وغُلِبت حُزنا؛ ذكرني وذكرني كيف أن ما قمتُ به كادَ يودي في مهبِّ الريح بناءً استغرَق سنيناً.

ذكرني أن لدَّي كنزاً كاد يتساوى لدى غيري ممن سبقني بحرّيته ولم يكن ليفرّط به ولو سُلبت منه، ذاك الذي قال: 

وما كان ظني أنني سأبيعهــا … ولو خلدتني في السجون ديوني

ولكن لضعف وافتقار وصبيــة … صغار عليهم تستهل شـــــؤوني

فقلت ولم أملك سوابق عـــبرة … مقالــــــة مكوي الفؤاد حزيـــن

وقد تخرج الحاجات يا أم مالك … كرائـــــــم من رب بهن ضــنين

بل كأني ساويت هذا الكنز بتماثيل توضع زينة على الرفوف لا هي عُبدت فأعطيت قيمةً ليست لها ولا هي بقت في متاجِر من يصنعها فيُقدّرها إكراماً ليديه على صنيعها! 

ذكرني عقلي وأعادَ تذكيري أن زكاة الكُتب والقراءة، أن تكتب وتملأ الأوراق حبراً ولو لم يحلل عليها حول، وأني قد نسيت إخراجَ زكاتي إلى مُستحقيها!

مرّ الحَول، وتراكمت أيام النسيان حتى استعصت الكُتب وتمنّع ما بين صدرها وظهرها، كعاشِق يدفعُ ثمن التقصير في التغزل بمحبوبته! 

ها أنا اليوم أقف والأقلام جنباً إلى جنب، على جال الدفاتِر حيثُ تشكو على مسامعنا الأوراق جفافاً بعد أن عاقبتني الكلمات بالجفى. أسايرها شعراً وأمازحها نظماً لعلها تُرغِد عليَّ بالعطاء، كشاعرٍ في بلاط الملك يمدحُ تارة ويتغزّل بكرم العطاء تارة أخرى!

فذهبتُ أقول فيها: 

أيَا زادي ومُلهمي

بالله رقّي واعطفي

عودي غيمًا وأمطري

سقيًا لأوراقي وأزهري

بلْ سُلّي سيفًي 

وأزهقي أحباراً لتحيي 

فإن جفّت دَواتي 

فدونَ يديكِ دمي 


هذه التدوينة أتت بإلهام من مشهدٍ بسيط لحاجيات مشرد في أحد شوارع ملبورن – استراليا.

فقد كل شيء، ولكنه ما زال يرى في الكُتب خير أنيس ورفيق!

أضف تعليق