أنت.. لا أحد!

من أنت؟
سؤال مألوف، يبدو في ظاهره بسيطًا وسهلًا، وجوابه حاضر لا يحتاج تحليلًا.
لكن، ما إن تحاول فتح فمك لإطلاق ذلك الجواب، حتى تجد لسانك انعقد، والكلمات هربت واختبأت،

ويقف عقلك حائرًا أمام ما يحدث.

أنا أعرفك..
أعرفني..
ومن أنت؟
سؤال أستطيع الإجابة عليه بسهولة!
فما الذي يمنعني؟

قد يكون الجواب على هذه التساؤلات أسهل من إجابة سؤالهم لك: من أنت؟

أكنتَ يومًا في مقابلةٍ وظيفية،
أو في حديثٍ جانبي مع شخصٍ التقيت به صدفةً.. 

وانساب الحديث بينكما حتى سألك بكل عفوية وبساطة:
من تكون؟
من أنت؟

في عينيك، أنت واضح لنفسك!
تعرف من تكون، وكيف تكون، ولمَ أنت هنا.. 


لكن الإجابة حين تُراد للآخرين تستعصي.
لا لأنك تجهلها،
بل لأنه لا توجد إجابة واحدة عن هذا السؤال،

ولا توجد صيغة مقولبة تصلح لكل مقام، ولكل سائل.

أنت لستَ منافقًا،
ولا ذا وجهين.

إنما أنت تعيش في زمنٍ يُحتِّم عليك التكيّف،
ويفرض على شخصيتك أن تتشكل لتناسب كل وضع.
لكن الإشكال لا يكمن في التكيّف ذاته،
بل في ذلك الشعور الخفي بالذنب الذي يرافقه..

كأننا نخون نسخةً ما من أنفسنا كلما أظهرنا نسخةً أخرى!

والحقيقة أننا لا نغيّر أنفسنا،
نحن فقط نُبدّل زاوية الرؤية..

لم يكن نيتشه بعيدًا عن هذا المعنى حين قال:
“ليس للإنسان جوهرٌ ثابت، بل احتمالات لا تنتهي”.

فأنت لست تعريفًا واحدًا،
ولا بطاقة مختصرة،
ولا سطرًا يصلح أن يُقرأ في كل مكان.

علم النفس الحديث يقترب من الفكرة ذاتها،
إذ تشير دراسات الهوية إلى أن الإنسان يحمل داخله ما يُعرف بـ الذوات السياقية (Contextual Selves). 
نحن لا نكذب حين نكون مختلفين،
نحن فقط نستجيب للسياق،
نُبرز ما يلائمه، ونُخفي ما لا يُطلب حضوره.

في العمل، تُسأل: من أنت؟
فيكون المقصود: ماذا تُتقن؟
وفي التعارف العابر: من تكون؟
فيكون المقصود: كيف أضعك في خانة مألوفة؟

أما في وحدتك..
فلا يُطرح السؤال
.

لا لأنك هربت منه،
بل لأنه ذاب
.

هناك، حيث لا جمهور،
ولا أدوار،
ولا حاجة لأن تكون مفهومًا،
تسكن الإجابة في شكلٍ آخر؛
إحساس لا يُعرَّف،
وطمأنينة لا تُشرح،
ومعرفة لا تحتاج أن تُنطق كي تكون حقيقية.

في وحدتك،
لا تقول: أنا كذا،
ولا تسأل: هل هذا يكفيني؟
أنت موجود فحسب،
والوجود هنا ليس فكرة،
بل حالة.

ولهذا يبدو السؤال خارجها أصعب مما هو عليه..
ليس لأنه عميق،
بل لأنه يُطرح في المكان الخطأ.

هم لا يسألون: من أنت؟
هم يسألون:
أي احتمالٍ منك يصلح الآن؟
أي نسخة يمكن فهمها بسرعة؟
وأي جزءٍ منك يمكن تجاهله دون حرج؟

كان هايدغر يرى أن الإنسان لا يُفهم بوصفه تعريفًا،
بل بوصفه كائنًا في العالم،
يتشكل باللحظة،
وبالسياق،
وبالقلق الذي يحمله وهو يحاول أن يكون.

ولعل هذا ما يجعل الإجابة مستحيلة؛
لأنك لست شيئًا ثابتًا يمكن الإشارة إليه،
بل حركة مستمرة بين ما كنت،
وما أنت عليه الآن،
وما تخشى أن تصبحه.

وكما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

أَتَزعُمُ أَنَّكَ جُرمٌ صَغير
وَفيكَ اِنطَوى العالَمُ الأَكبَرُ

فكيف يُختصر عالم.. 
في جملة؟

لهذا،
حين يُسأل الإنسان: من أنت؟
فهو لا يتلعثم جهلًا،
بل احترامًا لاتساع داخله.

وربما لا تكون الحكمة في أن نجد إجابة واحدة،
بل في أن نقبل أن بعض الأسئلة خُلِقت لتبقى مفتوحة؛
لا لأننا عاجزون،
بل لأننا أعمق من أن نُغلَق عليها
.

أضف تعليق