من واقعية البكاء إلى حتمية الأثر.
قد يبدو السؤال للوهلة الأولى غريباً، وربما ساذجاً:
هل تندبنا الحياة بعد مماتنا؟
المنطق يجيب: لا.
فالشمس ستشرق، والطرق ستمتلئ، والناس سيواصلون يومهم.
ببساطة، الدنيا لا تتوقف على أحد.
وهذا ما نردّده غالبًا دون تردد.
طرحٌ واقعي، حاسم، يكاد يكون صارماً.
الكون – كما يراه هذا الاتجاه – نظام مستقل، لا يعرف الحزن، ولا يُعيد حساباته بسبب فرد.
لكن صوتًا آخر يتسلل من بين هذا الاتفاق الصامت؛ صوتٌ أكثر هدوءًا وأقل قسوة:
“قد لا تذرف الحياة الدموع علينا، لكن العلاقة ليست من طرفٍ واحد.
حين تُبكينا، تُعيد تشكيلنا، تُنضجنا؛ وكأنها تعيد تشكيل ذاتها من خلالنا.”
ويستند بتأمله هذا إلى قوله تعالى:
{فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ} [الدخان – 29]
فالآية – وإن نفت البكاء عن قوم – تُقرّ بإمكان المعنى.
كأن فكرة تفاعل الوجود مع الإنسان ليست غريبة عن وعينا.
وهنا يتحول السؤال من واقعية البكاء إلى حتمية الأثر؛
من مشهد كوني واسع إلى دوائر حياتية صغيرة.
في الشعر العربي، كثيراً ما تشارك الطبيعة الحزن:
الريح تعوي،
الديار تبكي،
والأطلال تشهد.
الخنساء لم تكن تبكي صخراً وحده،
بل كانت ترثي الكون من خلال غيابه.
إذًا، هل تندبنا الحياة؟
ربما لا، بالمعنى الحرفي.
فالسماء لن تميل، ولن تتباطأ الأرض.
لكن في الدوائر الصغيرة، يحدث شيء آخر،
وكأن الحياة تعيد ترتيب نفسها!
ربما لهذا لم يسخر أحد من السؤال؛
لأن القلق الحقيقي ليس:
هل تبكي الحياة علينا؟
بل:
هل نمرّ فيها مرورًا عابرًا؟

يقول هايدغر، أحد الوجوديين:
موت الإنسان لا يغيّر الكون..
لكنه يكشف معنى وجوده.
الموت – في هذا التصور – ليس حدثًا كونيًا،
بل مرآة وجودية!
وكأنه يقول: مهما مضت الحياة على حالها،
فهي لا تُقاس بحركتها، بل بمدى ما نتركه في نسيجها من أثر.
فالموت قد يسلب الروح والجسد،
لكن الأثر.. يبقى
حين نرحل، لا محالة سيتبدّل شيءٌ في ترتيب الحياة..
وحين نمضي..
يجب ألا نمضي كظلٌّ على جدارٍ الليل، لا يترك خلفه إلا العتمة نفسها!


أضف تعليق