تستطيع الاستماع للتدوينة كاملة.
كم مرّةً شعرت بذلك الجانب الساخر الذي يلقي بظلاله عليك.. عندما تحاول أن تصل إلى جواب لأحد أسئلة مُعلمك، فتنظرَ في عينيه وتراه ينتظر خطأك لأنه يعلم يقيناً أنَّك ستخطِأ!
إلا أنه مُتيَقِّنٌ كذلك.. أنَّك ستتعلم من ذلك الخطأ!
قد لا ينطبق هذا التحليل على كل المعلمين؛ فنحن لم نواجه ذاتَ المعلم.. في مدارس العلوم والفنون المختلفة. إلا أننا نواجه نفسَ المعلم، في مدرسة الحياة؛ نواجه الأيام ومن مثلُ الأيَّام مُعلماً!
يقول أحد الشعراء:
إني رأيتُ وفي الأيام تجرِبةً
للصبرِ، عاقبةٌ محمودة الأثرِ
الأيام، هي مُعلِّمنا السَّاخر في مدرسة التجارِب الحياتية، تختبرنا في كل ما تعلمناه وما عرفناه وما سنتعلمه حينما نُخطأ!
سُخْريَتها بريئة، القصدُ منها أن تربي فينا التأدب مع رحلة تعلُّمنا وكأنها توصينا ألا نتعجّل فيها؛ كالأم التي تضحكُ على وليدها وهي تراه يخطو أوّل خطاه ثم يسقُط أرضاً..
إلا أننا في مدرسة الأيام، نكبُر دون موعدٍ للتخرج.. نتجاوزُ صفوفها مرحلةً بعد أخرى ونتعلَّمُ في كل واحدة منها ما يؤهلنا لنواجه سخرية المرحلة التالية إن نحنُ تعجّلنا في معرفة النتائج، أو تحسنا في أداءِ ما تعلمناه!
تستمر الأيام في كل مرحلة، بإيهامنا بجهلها وإعطاءنا ذلك الشعور بتفوقنا وحصولنا على المعرفة الكافية حتى نخلَعَ لباس التَّحفُظ ونتجرَّد من خجل الجهل الذي اعترانا قبلًا؛ ثم تأتي تلك اللحظة التي توقعنا في شر ظنوننا وتعطيها فرصة السخرية منا مجدداً.. تلك السخرية التي يقول عنها نيتشه: “تأتي كفنٍّ علاجي تقدّمه لنا الأيام لتوقظ معه قدرتنا على اتخاذ القراراتِ الجيدة.”
وها نحن.. أمام اختبارٍ تعيده الأيام كلَّ عام، وفي كلِّ عامٍ تنتظرُ من الاختبارِ ذاته أن يمنحها لذَّة السُخرية من اخفاقنا فيه!
فكم مرَّة، انتظر العديد منا التاسع والعشرين أو الثلاثين من ديسمبر ليُحاسب نفسه على ما قدّم خلال عامِه المنصرم، وكم مرة فتح بعضُنا في هذا التاريخ صفحة جديدة ليكتبُ فيها أهداف ما سيأتي من الأيام. وكم مرة توقفنا بالفعل عن هذا وذاك وبدأنا حقاً بما خطَطَنا من أهداف وانطلقنا في تحقيق ما أردنا من رغبات.
إلا أن السؤال الأهم، ما الذي يجعلنا ننتظر طوال العام لنُحاسب أنفسنا؟ ما الذي يجعلنا ننتظر تاريخاً نكتبُ فيه أهدافاً ثم نطوي صفحتها، إلى أن يأتي ذلك التاريخ مجدداً لنفتح الصفحة التي بعدها ونعيد الكرَّة!
أما حَان الوقت، كي نتوقف حيثُ انتهينا آخر مرة.. فنبدأ بالفعل هذه المرة!
ها نحن، أمام اختبار الأيام، الذي تكرر طيلة ما مضى من أعوام.. فهل سنعيد للأيام فرصة السخرية منّا مجدداً؟ أم أننا سنطالبها بتأهيلنا للمرحلة القادمة ونقول بملء أفواهِنا: ها قد تعلَّمنا درسَك!


اترك رداً على بثين إلغاء الرد